#قصة_قصيرة💭😺
قصة " لكل منا قصته " 💔
محسن يونس
كانوا بارعين فى خط الثلث بكل أطيافه وأشكاله الهندسية ، ثلث مفرق ، ثلث وسط ، ثلث مشبك ، خط الثلث الجلي ، خط الثلث المحبوك ، خط الثلث الزخرفي ، خط الثلث المختزل ، خط الثلث المتناظر ، خط الثلث المسلسل ، وهم مع ذلك جادون فى الإضافة والاكتشاف ، فلا غلق لباب المهارة ، ولا حد للمغامرة فى طريق الإبداع ..
كانت الطرقات تتوزع على أرصفتها أعمدة من أفرخ الورق المقوى ، من أراد يأخذ ، يفترش الأرض توا ، يُخرج قصبته ودواة حبره ، ليعطى سطح اللوح معنى ، بعد أن كان مساحة فارغة من المعنى ، سرعان ما يتوافد آخرون ، يظلون على توتر وهم يراقبون كيف أمسك بالقصبة ، وكيف غمسها فى الحبر ، وما كمية السائل العالقة بسن القصبة ، وقبل أن يخط الحرف الأول يرفع رأسه ويجول بعينيه فيهم ، ينادى ألا من مراهن؟
يسألونه : و على أى شىء نراهنك ؟
يقول بزهو مغال فيه : الرهان يكمن فى عبارة صاغها لسانى فى حلم يوجد به بحر ، تمور مياهه بأمواج متلاطمة بعنف ، تعقب زبدا أبيض ، ولا شىء من وقائع يمكننى تذكرها ، إلا العبارة لم أنسها ، وسوف أكتبها فوق هذا اللوح من الورق المقوى ، بشرط من ينظرها مباشرة فى المواجهة يراها عبارة معقولة القول ، ومن ينظرها من جهة اليمين يجدها عبارة متناقضة بين شطريها فى المعنى ، ومن يطالعها من الجهة اليسرى تؤلمه عيناه ألما يذهب بعد ساعة ، ولا يستطيع الإمساك بسبب معقول لما حدث لعينيه !!
تصايحوا من حوله فى نوبة ضحك ساخر : هات ما عندك ، مستعدون لتقبل خرافتك حد الموت يا رجل ..
رأوا يديه جميلتين مع أن رجولة وافرة تسمهما ، وشعر وافر يصنع تجسدهما فى اكتمال لياقتهما ، وتأكدوا من أنه قادر على أن يفعل ما يمكن أن يجعلهم يصعدون إلى ملكوت المجاز ليس فى المعنى ، فالمعنى واضح لا لبس فيه ، و إنما هو مجاز الرونق عندما تعجز عقولهم عن وصف ما ألم بهم وطوحهم فى تيه مشاعر متداخلة ، رفع وجهه بعد أن انتهى ..
هذا هو لوح الورق المقوى ، تدافعوا ينظرون لما كتب ، تداخلت حروف الكلمات على مساحتها فى انسياب ، بعضها يركب بعضها ، فى رحمة لا قسوة فيها ، تمتاز بالمرونة ، ومتانة التركيب ، وبراعة التأليف ، كانوا يريدون الكلام : يا أخى .. يا أخى ، وارتج عليهم ، فتوقفت ألسنتهم عن اقتناص أية كلمة ، كانوا يطالعون بعيونهم ما خط على اللوحة ، وهم فى دهشة وغيظ ، ما قرأوه خالف توقعهم ، جاء كأنه وشاية عارية لا شىء من تكلف أو حذر يغطيها : " يقولون إن الحضارة الإنسانية لم تكن لتوجد لولا وجود اليدين ، اليدان لهما قدرة على القبض ، والقص واللصق ، واللكم والصفع ، القرص والخمش ، تربت بواحدة منهما على الجنب أو الخد ، فى فعل العطف أو المراودة ، ومرونة حركتهما ذهابا وجيئة ، وإدخالهما أى شق ، اليدان منبع مشاعر شتى ، منهما تستجلب الدفء ، وكذا البرودة ، الحب ، ونقيضه البغض ، الرحمة والقسوة ، الدعوة الإيجابية ، وأيضا فى الرفض ، اليدان لهما حضور فى لغة الإيماء المساعدة للغة الصوتية ، إذا أردت سعة فى المجال وزيادة ، فاللغة حاضرة ذلول لكل واع يمكنه ركوبها تفاصحا أو تبيانا على حد سواء .. "
أنت لم تكتب أن اليدين هما ميزان الخط ومثقال جماله ، التفت برأسه عنيفا نحوهم وصاح : ما زلتم لا ترون إلا هيكل الشكل ، ألا جذبكم نور المعنى فى المكتوب على هذا الفرخ؟!
صاحوا أيضا فى وجهه : ومن أنت ليكون حكمك على ذوقنا؟ نحن ملوك خط الثلث ، ألا تعرف هذا يا هذا؟! .. انتبه .. الآن ما هذا الذى كتبت؟! عشمتنا برهان أين هو؟!
أشار بيده وهو قاعد واضعا يديه متشابكتين خلف رأسه : أنتم لم تتحركوا .. اذهبوا إلى اليمين ..
عندما مالوا حيث أشار تطلعوا إلى فرخ الورق ، ولم يصدقوا ما رأوه مكتوبا : " للبلدان أيضا يدان مثلما لها حدودا ، يمكنك القضاء على أي بلد بقطع يديه ، كما أن لكل بلد عينان ، يمكنك إهلاك أى بلد ، بجعله يمضى فى العماء إذا سملت له عينيه ، أو خزقتهما أو اقتلعتهما ، أى فعل أقرب لمزاج الفاعل الأشر ، سوف يحصل على نتيجة أكيدة عنوانها الضياع ، ونتيجتها الزوال ، لمعنى وجود أى بلد "
ما هذا بخطاط ، كانت هذه ما تهامسوا به فى البداية ، ثم اشتعلت فيهم رغبة فى أن يعرفوا من هو ، ومن أين جاء ، وإلى أى منطقة من البلد ينتمى ، كانت المعرفة هى ضالة من يريدها ، ولكنها تظل جملة يمكن كتابتها على فرخ ورق مقوى ، بكل أنواع الخطوط ، أما هم عند انصرافهم لم يوجد الرجل ، ولا فرخ الورق المقوى ، كان كل شىء نسيا منسيا !!
ليست الحكاية هى كما جاءت فى الأعلى ، وطالما أن تقابلنا جاء بالصدفة – أنا ككاتب ، وأنت كقارىء – فاسمح لى أن نقص عليك الحكاية مرة أخرى نعتقد أن بدايتها الأصوب هذه العبارة : " لا يمكن أن تراجع أعمى بصيرة ، ولا متورط فى عرض دنيا ، فتعلقه بها لن يمكنه من حصد واحدة من ثمار الحكمة ، المبعثرة على طول تاريخ البشر !! "
ولكننا سوف نلاحق هذا الخطاط الماهر مهارة لا جاء بها الأولون ، ولا سوف يأتى
قصة " لكل منا قصته " 💔
محسن يونس
كانوا بارعين فى خط الثلث بكل أطيافه وأشكاله الهندسية ، ثلث مفرق ، ثلث وسط ، ثلث مشبك ، خط الثلث الجلي ، خط الثلث المحبوك ، خط الثلث الزخرفي ، خط الثلث المختزل ، خط الثلث المتناظر ، خط الثلث المسلسل ، وهم مع ذلك جادون فى الإضافة والاكتشاف ، فلا غلق لباب المهارة ، ولا حد للمغامرة فى طريق الإبداع ..
كانت الطرقات تتوزع على أرصفتها أعمدة من أفرخ الورق المقوى ، من أراد يأخذ ، يفترش الأرض توا ، يُخرج قصبته ودواة حبره ، ليعطى سطح اللوح معنى ، بعد أن كان مساحة فارغة من المعنى ، سرعان ما يتوافد آخرون ، يظلون على توتر وهم يراقبون كيف أمسك بالقصبة ، وكيف غمسها فى الحبر ، وما كمية السائل العالقة بسن القصبة ، وقبل أن يخط الحرف الأول يرفع رأسه ويجول بعينيه فيهم ، ينادى ألا من مراهن؟
يسألونه : و على أى شىء نراهنك ؟
يقول بزهو مغال فيه : الرهان يكمن فى عبارة صاغها لسانى فى حلم يوجد به بحر ، تمور مياهه بأمواج متلاطمة بعنف ، تعقب زبدا أبيض ، ولا شىء من وقائع يمكننى تذكرها ، إلا العبارة لم أنسها ، وسوف أكتبها فوق هذا اللوح من الورق المقوى ، بشرط من ينظرها مباشرة فى المواجهة يراها عبارة معقولة القول ، ومن ينظرها من جهة اليمين يجدها عبارة متناقضة بين شطريها فى المعنى ، ومن يطالعها من الجهة اليسرى تؤلمه عيناه ألما يذهب بعد ساعة ، ولا يستطيع الإمساك بسبب معقول لما حدث لعينيه !!
تصايحوا من حوله فى نوبة ضحك ساخر : هات ما عندك ، مستعدون لتقبل خرافتك حد الموت يا رجل ..
رأوا يديه جميلتين مع أن رجولة وافرة تسمهما ، وشعر وافر يصنع تجسدهما فى اكتمال لياقتهما ، وتأكدوا من أنه قادر على أن يفعل ما يمكن أن يجعلهم يصعدون إلى ملكوت المجاز ليس فى المعنى ، فالمعنى واضح لا لبس فيه ، و إنما هو مجاز الرونق عندما تعجز عقولهم عن وصف ما ألم بهم وطوحهم فى تيه مشاعر متداخلة ، رفع وجهه بعد أن انتهى ..
هذا هو لوح الورق المقوى ، تدافعوا ينظرون لما كتب ، تداخلت حروف الكلمات على مساحتها فى انسياب ، بعضها يركب بعضها ، فى رحمة لا قسوة فيها ، تمتاز بالمرونة ، ومتانة التركيب ، وبراعة التأليف ، كانوا يريدون الكلام : يا أخى .. يا أخى ، وارتج عليهم ، فتوقفت ألسنتهم عن اقتناص أية كلمة ، كانوا يطالعون بعيونهم ما خط على اللوحة ، وهم فى دهشة وغيظ ، ما قرأوه خالف توقعهم ، جاء كأنه وشاية عارية لا شىء من تكلف أو حذر يغطيها : " يقولون إن الحضارة الإنسانية لم تكن لتوجد لولا وجود اليدين ، اليدان لهما قدرة على القبض ، والقص واللصق ، واللكم والصفع ، القرص والخمش ، تربت بواحدة منهما على الجنب أو الخد ، فى فعل العطف أو المراودة ، ومرونة حركتهما ذهابا وجيئة ، وإدخالهما أى شق ، اليدان منبع مشاعر شتى ، منهما تستجلب الدفء ، وكذا البرودة ، الحب ، ونقيضه البغض ، الرحمة والقسوة ، الدعوة الإيجابية ، وأيضا فى الرفض ، اليدان لهما حضور فى لغة الإيماء المساعدة للغة الصوتية ، إذا أردت سعة فى المجال وزيادة ، فاللغة حاضرة ذلول لكل واع يمكنه ركوبها تفاصحا أو تبيانا على حد سواء .. "
أنت لم تكتب أن اليدين هما ميزان الخط ومثقال جماله ، التفت برأسه عنيفا نحوهم وصاح : ما زلتم لا ترون إلا هيكل الشكل ، ألا جذبكم نور المعنى فى المكتوب على هذا الفرخ؟!
صاحوا أيضا فى وجهه : ومن أنت ليكون حكمك على ذوقنا؟ نحن ملوك خط الثلث ، ألا تعرف هذا يا هذا؟! .. انتبه .. الآن ما هذا الذى كتبت؟! عشمتنا برهان أين هو؟!
أشار بيده وهو قاعد واضعا يديه متشابكتين خلف رأسه : أنتم لم تتحركوا .. اذهبوا إلى اليمين ..
عندما مالوا حيث أشار تطلعوا إلى فرخ الورق ، ولم يصدقوا ما رأوه مكتوبا : " للبلدان أيضا يدان مثلما لها حدودا ، يمكنك القضاء على أي بلد بقطع يديه ، كما أن لكل بلد عينان ، يمكنك إهلاك أى بلد ، بجعله يمضى فى العماء إذا سملت له عينيه ، أو خزقتهما أو اقتلعتهما ، أى فعل أقرب لمزاج الفاعل الأشر ، سوف يحصل على نتيجة أكيدة عنوانها الضياع ، ونتيجتها الزوال ، لمعنى وجود أى بلد "
ما هذا بخطاط ، كانت هذه ما تهامسوا به فى البداية ، ثم اشتعلت فيهم رغبة فى أن يعرفوا من هو ، ومن أين جاء ، وإلى أى منطقة من البلد ينتمى ، كانت المعرفة هى ضالة من يريدها ، ولكنها تظل جملة يمكن كتابتها على فرخ ورق مقوى ، بكل أنواع الخطوط ، أما هم عند انصرافهم لم يوجد الرجل ، ولا فرخ الورق المقوى ، كان كل شىء نسيا منسيا !!
ليست الحكاية هى كما جاءت فى الأعلى ، وطالما أن تقابلنا جاء بالصدفة – أنا ككاتب ، وأنت كقارىء – فاسمح لى أن نقص عليك الحكاية مرة أخرى نعتقد أن بدايتها الأصوب هذه العبارة : " لا يمكن أن تراجع أعمى بصيرة ، ولا متورط فى عرض دنيا ، فتعلقه بها لن يمكنه من حصد واحدة من ثمار الحكمة ، المبعثرة على طول تاريخ البشر !! "
ولكننا سوف نلاحق هذا الخطاط الماهر مهارة لا جاء بها الأولون ، ولا سوف يأتى
مثله فى الآخرين ، كانت التهانى والتبريكات من أصحاب الشأن تتنزل عليه أوسمة ونياشين ، ودعوات لحفلات غناء ورقص ، وبوفيه مفتوح ، كانت الفرحة تأخذه ، خاصة وأن امرأته رضيت عنه بعد انزواء وغضبة ، فقد صعدت إلى أماكن المتنفذين ، وصادقت زوجاتهم ، وربما هى فى سبيلها إلى الرضوخ لواقع لا قدرة لها على أن تكون منه ، فكانت كمن دخل قفصا فسيحا فيه من النمور والأسود والضباع والذئاب ، ما يضيق به وسعه ، فماذا بالله عليك يكون وضع أوزة داخل هذا القفص؟!
كانت صرر النقود التى صار يجنيها ، من كتابة الجمل لمن يريد من علية القوم ، على أفرخ ورق مقوى ، يأتى الرجل منهم ، فيترك كل ما فى يده من شغل ، ويفز مرحبا منكسا رأسه ، منتظرا الجملة التى يحب الوجيه أن تكون فى حجرة نومه ، أو فى مكان عمله ، أو حتى فى محفظته حيث يؤخذ من فرخ الورق مقاسها ، وتكتب الجملة المبتغاة ، وعينه على ما تجود به اليد العليا ، زاره صديق قديم له ، أبدى ملاحظة ، لم تعجبه ، وفى صميمه أن يقتل صداقته ، ويدفنها فى سابع أرض : هناك شىء مقلق فيك يا صديقى!! وما هو هذا الشىء بالله عليك يا صاحب الفراسة؟ .. لا أستطيع تحديده بالضبط ، ولكنك جملة لم تعد كما أنت .. ثم جاء بالثقيلة : أين زوجتك يا خطاط ؟ .. ما هذا العوار المهين ، ألا يؤمن هذا الإنسان بالحياة الدنيا ، وهى ساقية قلابة ، أو لنكن معاصرين هى كدولاب قلاب مثل ما نراه من أدلبة فى أماكن اللهو والألعاب ، نركب بعضها سعيا وراء إزعاج وفزع أنفسنا بأنفسنا ، ربما من أجل رغبة ليس لها من تبرير، والرغبة غول يصاحب المرء ، وعليه أن يشد زمامه دائما ، ولا تنام عيونه ووعيه يقظة عن مراقبته ..
للأسف ليست الحكاية هكذا ، ونحن نلهج بدعوتنا الموافقة لحكايتنا : اللهم أخرجنا من حلق المضيق إلى سعة الطريق ، فنحن نقدم رجلا ، ونؤخر رجلا ، ونتردد فى فصل المقال – كما قال الأولون – لأن اليد من أكرم الأعضاء وأنفعها ، زينة واكتمالا لبدن الإنسان ، ثم يزاد حسنها وقيمتها إذا كنت للخط متقنا ، أى هبة ومنة فى أن يكون خطك حسن ، كما كان يقولوها معلمونا زمان بلهجة معاتبة وصارمة مؤجلة لعقاب منتظر : حسن خطك يا ولد ..
يا خطاط .. يا خطاط .. حظوظ الدنيا فى يدك ، وها هى ترفعك ، يا حسن حظوظك ، لأنى شخصيا أحب خط الثلث ، ولكنى أمقت خطى الشخصى ، كنت أصفه أنا بنبش الفراخ على الرمال ، أستبق بقولى مانعا أى لوم فى نقد يوجه إلى صاحب هذا الخط المشوه ، أنظر دائما إلى يديه ، قال لى إن دوام النظر يمكن أن يحسن حركة يدى على الورق ، آخذ ملء رئتى هواء ، وأنا ثابت النظر ، عندما قابلته ، لم ينكرنى ، ولكنه أنكر يده ، كان يخفيها فى طيات ملابسه ، حتى أنه لم يمدها ليصافحنى ، وكانت اليمنى ، وجدت وجها ممتقعا ، وانطفاء لمعة العينين ، سكن الحزن بهما محل بريقهما ، كان صموتا ، وأنا حدثت نفسى قائلا : إنه صمت الكارثة ..
قال لى : أتظل معى وقتا طويلا ؟ دهشت من سؤاله غير المهذب ، طرحه بصيغة يفهم منها أن على الانصراف ، وقلت بالعند فيه لن أتركه هذا اليوم ، زفر طويلا ، وأمسك بقصبة كتابة بيده اليسرى ، كان أمامه دواة حبر ، وقطعة قماش عرضها أربعة فتر أى المقاس بين طرف الإبهام ، وطرف السبابة عند فتحهما ، ولها من الطول طولا ، عندما أخرج يده اليمنى التى كان يخفيها بين طيات ملابسه ، عرفت وأجهشت ببكاء ، ولطمت صدغى مرات ، نظر إلى ، كان يشد قصبة الخط إلى ساعده الأيمن المختفى منه كف اليد ، ليبدأ الكتابة على فرخ ورق ، الحقيقة أنه نجح ، ومع ذلك كنت أصرخ من أخذ كف يدك؟! قال : طاردنى سوء الحظ مع مترفين ، أرادوا أن أكتب تفاهتهم فى كراسات ، رفضت ففعلوا ما رأيته بى ..
الحقيقة أن القصة لم تكن هكذا ، أى كما وردت بوقائعها السابقة ، الحرية لكل من يقرأ الآن ما كتب فى أعلى ، إذا أحب أن يضيف أحداثا ، فعليه أن يضيف بلا تأجيل ، وإذا أراد نقصانا فى موضع ، يراه لا لزوم له ، فعليه أن يمحوه فورا ، عندها يمتلك قصته ، هذا كل شىء ..
كانت صرر النقود التى صار يجنيها ، من كتابة الجمل لمن يريد من علية القوم ، على أفرخ ورق مقوى ، يأتى الرجل منهم ، فيترك كل ما فى يده من شغل ، ويفز مرحبا منكسا رأسه ، منتظرا الجملة التى يحب الوجيه أن تكون فى حجرة نومه ، أو فى مكان عمله ، أو حتى فى محفظته حيث يؤخذ من فرخ الورق مقاسها ، وتكتب الجملة المبتغاة ، وعينه على ما تجود به اليد العليا ، زاره صديق قديم له ، أبدى ملاحظة ، لم تعجبه ، وفى صميمه أن يقتل صداقته ، ويدفنها فى سابع أرض : هناك شىء مقلق فيك يا صديقى!! وما هو هذا الشىء بالله عليك يا صاحب الفراسة؟ .. لا أستطيع تحديده بالضبط ، ولكنك جملة لم تعد كما أنت .. ثم جاء بالثقيلة : أين زوجتك يا خطاط ؟ .. ما هذا العوار المهين ، ألا يؤمن هذا الإنسان بالحياة الدنيا ، وهى ساقية قلابة ، أو لنكن معاصرين هى كدولاب قلاب مثل ما نراه من أدلبة فى أماكن اللهو والألعاب ، نركب بعضها سعيا وراء إزعاج وفزع أنفسنا بأنفسنا ، ربما من أجل رغبة ليس لها من تبرير، والرغبة غول يصاحب المرء ، وعليه أن يشد زمامه دائما ، ولا تنام عيونه ووعيه يقظة عن مراقبته ..
للأسف ليست الحكاية هكذا ، ونحن نلهج بدعوتنا الموافقة لحكايتنا : اللهم أخرجنا من حلق المضيق إلى سعة الطريق ، فنحن نقدم رجلا ، ونؤخر رجلا ، ونتردد فى فصل المقال – كما قال الأولون – لأن اليد من أكرم الأعضاء وأنفعها ، زينة واكتمالا لبدن الإنسان ، ثم يزاد حسنها وقيمتها إذا كنت للخط متقنا ، أى هبة ومنة فى أن يكون خطك حسن ، كما كان يقولوها معلمونا زمان بلهجة معاتبة وصارمة مؤجلة لعقاب منتظر : حسن خطك يا ولد ..
يا خطاط .. يا خطاط .. حظوظ الدنيا فى يدك ، وها هى ترفعك ، يا حسن حظوظك ، لأنى شخصيا أحب خط الثلث ، ولكنى أمقت خطى الشخصى ، كنت أصفه أنا بنبش الفراخ على الرمال ، أستبق بقولى مانعا أى لوم فى نقد يوجه إلى صاحب هذا الخط المشوه ، أنظر دائما إلى يديه ، قال لى إن دوام النظر يمكن أن يحسن حركة يدى على الورق ، آخذ ملء رئتى هواء ، وأنا ثابت النظر ، عندما قابلته ، لم ينكرنى ، ولكنه أنكر يده ، كان يخفيها فى طيات ملابسه ، حتى أنه لم يمدها ليصافحنى ، وكانت اليمنى ، وجدت وجها ممتقعا ، وانطفاء لمعة العينين ، سكن الحزن بهما محل بريقهما ، كان صموتا ، وأنا حدثت نفسى قائلا : إنه صمت الكارثة ..
قال لى : أتظل معى وقتا طويلا ؟ دهشت من سؤاله غير المهذب ، طرحه بصيغة يفهم منها أن على الانصراف ، وقلت بالعند فيه لن أتركه هذا اليوم ، زفر طويلا ، وأمسك بقصبة كتابة بيده اليسرى ، كان أمامه دواة حبر ، وقطعة قماش عرضها أربعة فتر أى المقاس بين طرف الإبهام ، وطرف السبابة عند فتحهما ، ولها من الطول طولا ، عندما أخرج يده اليمنى التى كان يخفيها بين طيات ملابسه ، عرفت وأجهشت ببكاء ، ولطمت صدغى مرات ، نظر إلى ، كان يشد قصبة الخط إلى ساعده الأيمن المختفى منه كف اليد ، ليبدأ الكتابة على فرخ ورق ، الحقيقة أنه نجح ، ومع ذلك كنت أصرخ من أخذ كف يدك؟! قال : طاردنى سوء الحظ مع مترفين ، أرادوا أن أكتب تفاهتهم فى كراسات ، رفضت ففعلوا ما رأيته بى ..
الحقيقة أن القصة لم تكن هكذا ، أى كما وردت بوقائعها السابقة ، الحرية لكل من يقرأ الآن ما كتب فى أعلى ، إذا أحب أن يضيف أحداثا ، فعليه أن يضيف بلا تأجيل ، وإذا أراد نقصانا فى موضع ، يراه لا لزوم له ، فعليه أن يمحوه فورا ، عندها يمتلك قصته ، هذا كل شىء ..
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM